العنود مبروك السعدي

 الموهبة: كتابة القصص القصيرة

اسم القصة : " البرد "

_حَبيبي تحَسنت حالتك اليوم!

اكتفي بهز رأسي مُجيباً بنعَم.

_ حَبيبي..!

ابتسمتُ دونما سبَب، أؤمن بأن أمي كالمرآة كُلما ابتسم أرى انعكاس ابتسامتي في ثغرها. 

_لنشرب الدواء الان ! مارأيك؟!

نبرة الصوت لاتدل بالضرورة على الغرض من الجملة،نبرة صوت امي في هذه الجملة نبرة استفهام الغرض منه الأمر، فتجرعت مخفض الحرارة بمرارة ، وابتسمت مره أخره.

ترقد نظارتي السميكة داخل درج طاولتي الصغيرة المجاورة للسرير،ايقظتها يدُ أمي وضَوضاء الدُرج عندما سُحب

_البسها حبيبي.

الأرواح المعلقه مع الستائر تلوح لي، وسقف الغرفة بنتوءاته وانعكاس الضوء عليه يخلقُ بيني وبينه لغةً حروفها خيالاتي التي أرسلها لحضنه فتتدلى نحوي مرة أخرى،لايقطع ذلك الحوار بيني وبين جماداتي الحية سوى عدسات نظاراتي.

حالما ألَبسها فإذا بكل شئ واضح ، تبرز لي حينها حدة الألوان، و حدود الأشياء وانفصالها عن بعضها البعض، لذلك أُغمض لدقائق عيني بعد وضع النظارة وعادة أمي تنتظر أللحظة التي أسمح لنفسي فيها أن أنظر وأتقبل ، كأنها بهذا تشهد علي ولادتي من جديد لكن دون أن تكونَ هي في حالةَ مخاض، أو كأن الله أتاح لها أن ترى نفسها وهي تلد،ثم بصوت حنون تسألني بحرفين:

_هــــــــا؟!

جازفت بالنظر، لكن سرعان ما غطيت عدساتي بباطن كفي .

اقتربت أمي من وجهي احتضنت يداي الصغيرتان فغفَوتا في يديها تلقائياً، عيناها تنظران إلى روحي، تفعلان شيئا ما بي، ربما تطهرانني.إزددت إيمانا بأنها مرآة فقد رأيتني كُلي بين جفنيها.

جالت عيوني في الغرفة بحرية ، وبشىء من الخوف و الدموع التي صُبت دون حول مني ولا قوة ، حرارتي المرتفعة كانت السبب في سيلانها.

_استلق وسأحضر لك الكمادات حالاحبيبي .

لكل حب ضريبة ، وهذه ضريبة حبي للشتاء فَصل المحبه وإن لم يكن لك حبيب !، أليست البرودة تسبب تقلص الأشياء فكذلك هو هذا الفصل مع المسافات بيننا وبين أنفسنا ، فجـأ نحب ذاتنا فننكمش إليهاالتماسا للدفء.

من محبتي للبرد خرجت قبل يومين من غرفتي بملابس النوم ، متعمدا عدم ازعاج النظارة تركت معطفي في مكانه ، كنت حافي القدمين ، أردت لنفسي أن أشعر بأني علي قيد الحياة ، خرجت إلي الحديقة والتزمت سورها المطل علي الشارع ، مرغت قدماي في العشب الندي ، وخاطبت نفسي كثيراً بأصوات ونبرات كثيرة ، إلي أن سمحت حراس المنزل يقول أحدهما للآخر

_أنظر إليه يخاطب نفسه!

_كلنا إذا مختلون عقلياً ، لا فرق بيننا وبين هذا الطفل شِئت أم أَبيت علا صوتي أكثر فأكثر، وصوت اللعب مع الدخان الذي يتولد من فمي ، أردت سرقة البر، عُدت لأخذ المعطف أخيراً لأدُسَ البردَ في جيوب ثناياه ، استنشقه وابتلعته وسرقته بِنية حُب حتي قال عني )دكتوري السوري(:

_آخذ برد المسكين.

فقالت أُمي:

_هذا بسبب خروجه إلي الحديقة فجراً بلا غطاء يطرد البرد عنه !

لماذا نطرد الأشياء الجميلة من حياتنا ؟!، ونغطيها تحت إسم الخوف والحذر و الأعراف والحُب ؟!، رُغمَ أني أتلقي نظرات الشفقة و الأسي طوال الوقت إلا أنني أسعَد منهم ، فأنا لا أنتظر شيئاً إسمه الحظ ، ولا أعترض على القَدر، إن أحببت فاصدق وتَمَسُك كقِصة عشقي للشتاء...